عش عاشقا .. تحيا مرتين

| عالم المكتبات | كتاب جديد |


بقلم: نادر حبيب

أعرف فايز فرح معرفة شخصية منذ أن بدأت العمل في مجال الصحافة أي ما يقرب الآن من ستة عشر عاماً، ولكني كنت أعرف صوته قبل أن أقابله قبل ذلك بكثير، فهو الإذاعي الكبير والكاتب الصحفي الشهير الذي تحب أن تسمع له وتتعلم منه وتقرأ له، فهو شيق في حديثه وغزير في معلوماته، فهو من هؤلاء الذين يؤمنون أن الإنسان المثقف هو ذلك الإنسان الذي يعرف القليل عن كل شئ ويعرف الكثير عن شئ واحد، ولكني أستطيع القول أنه ولكبر سنه، وعظم خبرته في العديد من المجالات التي قرأ وكتب وأعد برنامج إذاعي لها فهو يعرف الكثير عن كل شئ، وكلما قابلته تعلمت منه الكثير، فهو قد يحدثك عن كل شئ وأي شئ يتطرق له الحديث، ويحاول أن يربط القديم بالجديد ويستخلص من الماضي دروس للمستقبل.

عندما دخل إلي مكتبي في الساعات الأولي من النهار كعادته حاملا معه بعض الأوراق والكتب، بعد أن أتصل ليتأكد من وجودي في ذوق رفيع لآداب الزيارة، أخرج كتابا في حجم كف اليد تطير علي غلافه فتاة ترتدي تنورة حمراء وتتطاير خصلات شعرها بعد أن قفزت من علي اللوح الخشبي لا لتسقط في الماء ولكن لتطير في السماء بحرية وأمل فهي تنظر إلي الأعلي ولا تخاف أن تسقط وكتب علي غلافه «عش عاشقا .. تحيا مرتين»، فقبل أن أفتح الكتاب تحدثنا عن العنوان، فقد جذب إنتباهي، وسألته كيف له أن يضع هذا العنوان الفلسفي علي غلاف الكتاب، فقال لي أن هذه العبارة أو الشعار من أستاذه وصديقه كمال الملاخ، عالم الآثار والكاتب الصحفي والفنان والذي تربطه به قرابة نسب، وأكد لي أنه ومنذ ثلاثين عاماً كان يجلسا سوياً وشعر الملاخ أن فرح يشعر بالقلق ومهموم بعض الشئ فقال له الملاخ أن الفنانة الكبيرة شادية قالت له هذا الشعار عندما شعرت أن الملاخ مهموم وأرادت أن تخفف عنه الهم، ويقول فرح «أنه وبعد مرور السنوات وجدت صدي جميلاً لهذا الشعار في نفسي، بل شعرت أنني أطبقه في حياتي دون أن أدري، فأنا محب للحياة عاشق لها، مؤمن بأنها رحلة ضرورية سعيدة وجميلة لو أننا حاولنا أن نجعلها كذلك، فحياة الانسان ملكه ومن صنعة يديه يستطيع أن يشكلها كما يريد، مهما كانت الصعاب، وعندما سيحب الحياة ستباذله الحب والمنفعة والهدؤ والسكينة».

وبالرغم من أنه يكبرني بعشرات السنين إلا أنه دائما ما يناديني بصديقي وأخي العزيز، ويعتبرني تلميذه في العمل الصحفي، ودائما ما يشجعني علي هذا العمل الصعب ولذلك فهو قد أهداني نسخة من كتابه، فوعدته بقراءته من الغلاف إلي الغلاف، في الحقيقة لقد شعرت في كتابه أنه رسالة من المعلم الذي يريد أن يترك خبرته وتجاربه للقراء، فهو يؤمن أن الكاتب أو المعلم لن يعيش إلا إذا ترك إنتاج فكري يساهم في تغيير وتحسين حياة من يقرأ كتابه. في الواقع هذا الكتاب ليس من نوعية المذكرات أو ما شابه، ولكنه نوع مميز من الكتابة التي تجعلك تشعر أن فرح نزل بنفسه مع كل نسخة بيعت ليجلس معك بنفسه ويبدأ في الحديث وبالطبع لن تتركه إلا وقد أنتهي من حديثه، فبكل تأكيد الذوق والآدب يحتم عليك أن لا تترك رجل كبير يتحدث معك إلا بعد أن ينتهي من حديثه، بل الأكثر من ذلك فقد تشعر أن فرح قد أخذك معه إلي منزله ويبدأ في تقديم أسرته إليك، وبعد أن تشعر بالجو الأسرى الذي أحاطك به، يأخذك إلي مطبخه، فلما لا وأنت أصبحت صديقه الغالي الذي فتح معه الكثير من الحوارات العلمية والاجتماعية والنفسية والسياسية والتاريخية وحتي الموسيقية في كتاب مميز قد لا ترى مثل هذه النوعية كثيراً.

هذا الكتاب من إصدار دار المعارف تحت سلسلة اقرأ، وهي سلسلة قيمة يدعو فيه الجميع إلي حياة سعيدة، مهما كانت الظروف، يؤمن أن حياة الإنسان فترة زمنية قصيرة مهما طالت، وكل منا يستطيع أن يجعلها حياة سعيدة جميلة بهيجة رائعة إذا اراد، المهم أن يحبها ولا يلعنها بل يعشقها، فليس العشق هو عشق البنات الجميلات والصبايا الفاتنات والسيدات الفضليات فقط، إنما العشق أنواع وألوان، هناك عشق الفن من موسيقى إلى التشكيل إلى المسرح إلى السينما، وهناك عشق الرياضية والكرة، وعشق العلوم والآداب، كذلك تسمع عن من يعشق البسبوسة والبيرة والكباب وغير ذلك.

أما الانسان الناجح الفالح الفاهم فهو من يعشق الحياة كلها على بعضها بحلوها ومرها، بمرحها وضيقها، بوجهها المشرق والآخر العابس أحياناً.

العشق هو درجة عالية من الحب، أو أقل هو حب متفانٍ لا يعرف الفتور وهو المتوهج دائماً، هو حب يعتمد على العطاء لا يطلب المصلحة الشخصية بقدر عمله وطلبه للمصلحة العامة، هو حب يتخلص تماماً من الأنانية ويسعد ويتلذذ بالعطاء، وليست هذه الكلمات مبالغة أو غير واقعية، لكننا هنا نتحدث عن العشق الحقيقى، ومن هنا يقول علماء الاجتماع وكذلك يقول فنان فرنسا أوجست رودان Rodin: (نحن نحتاج إلى موظفين وعاملين يعرفون معنى العشق).

لأن العاشق معطاء مضحٍّ يبحث عن المصلحة العامة، ولذلك فإن العاملين العشاق سيقدمون كل ما عندهم ويبذلون أقصى جهدهم من أجل عملهم، حتى يكون فى أحسن صورة وأجمل أداء.

الفنانون المبدعون هم أصدق صورة لعمل العشاق، لأنهم يعملون بجد وحب من أجل فنهم، ولا يهتمون بالماديات بل قد ينفقون على عملهم من جيوبهم، لأن هدفهم الحقيقى هو الإبداع والإضافة إلى الحياة.

العاشق لا يفكر ولا يعيش إلا من أجل عشقه، فالفنان عاشق الفن لا يفكر إلا في فنه، والعالم عاشق العلم لا يفكر إلا في علمه، وهكذا حتى عاشق النساء لا يفكر إلا فى معشوقته من هنا نقول أن العشق جنون أحياناً. فنان عصر النهضة:Michel Angelo مايكل أنجلو الذي عاش بين السنوات 1475- 1564، كان مؤمنًا بفنه وعبقريته ولم يهتم بشيء في الدنيا إلا فنه فأبدع في رسم سقف (الكابيلاستينا) فى الفاتيكان، وقدم لنا روائعه التي مازال أهل الفن مبهورين بها.. تماثيل.. الرحمة وموسى وغيرهما.

عشق مايكل أنجلو الفن ونسي حياته فعاش يبع، ويعاني من أجل هذا الإبداع لدرجة أنه استمر أربع سنوات وأكثر يرسم وهو راقد على ظهره حتى يرسم سقف الكنيسة، وهو وضع جسمي صعب على أي إنسان، لكنه العشق..

عاش مايكل أنجلو لفنه وعشقه الوحيد، وظل كذلك حتى وصل إلى سن الستين، وفي هذه السن طرق الحب باب قلبه فتعجب من هذا الشعور الذي لم يشعر به في شبابه كيف يأتي في هذا العمر وأخذ يطارده؟ لكن عشق الحياة مع الفن بدأ يسيطر عليه فعاش محباًّ وأخذ يقيم سنوات حياته وعاد إلى الإيمان بالله والحب وعشق الحياة ككل.

وفي مجال عشق العلم نذكر العالمة (Maria Curieماري كوري) البولندية الأصل والتي عاشت بين السنوات “1867-1934 عشقت العلم منذ طفولتها ووضعت خطة لحياتها بأن تدرس العلم فى فرنسا مهد الحضارة والتقدم، ومن أجل تحقيق حلمها وعشق حياتها عملت خادمة ومربية، وعانت من الفقر والجوع حتى استطاعت الوصول إلى باريس في عربة بضاعة؛ حيث أنها لا تملك ثمن تذكرة القطار أو الأتوبيس.

وفي كلية السوربون بدأت تحقيق حلمها، انكبت على دراسة الأبحاث وقراءة الكتب، وإجراء التجارب المعملية، كان كل اهتمامها يدور حول عشقها للعلم ومعرفة المزيد، كانت تأكل الخبز الأسود وعروق الفجل، واذا أسرفت جداًّ تشترى لنفسها بيضة أو بيضتين كل أسبوع، وأعجب بها أستاذها بيير كوري، كان يكره النساء لكنه وجد فيها إنسانة فاضلة متميزة، تقدم لها وتزوجها، الطريف أن عشق ماري كوري لعلمها تنسى ساعة زفافها وهي في المعمل فتأخرت في الذهاب إلى عرسها!
ماري كوري العالمة العاشقة للعلم استطاعت اكتشاف مادة الراديوم Radium الذي يعالج به مرضى السرطان، وحصلت على جائزة نوبل مرتين 1903، 1911 بل وحصلت ابنتها إيرين أيضاً على نفس الجائزة 1935.

الأمثلة كثيرة لعشق الفن والعلم والحياة، ونحن نذكر الفنانين والعلماء العشاق دائماً، والذكرى حياة ثانية، وبذلك فهم يعيشون مرتين وثلاث ولآخر الزمان، ألم أقل لك: عش عاشقاً تحيا مرتين.. أجدادنا الفراعنة عشقوا الحياة وتقدموا في الفنون والعلوم بفضل هذا العشق، وعشقهم للحياة جعلهم يؤمنون أن الموت ليس النهاية، بل إن هناك حياة حياة بعد الموت وخلود للنفس.. ولأن العاشق يعيش مرتين وأكثر فإن العالم كله مازال يذكر قدماء المصريين وتقدمهم في العلوم والفنون.

الشعب الفرنسى يعشق الحياة ومن هنا فهو يقول أن الحياة قصيرة، وقصيرة جداًّ، ويجب أن نستمتع بها ولا نقضيها في الأحزان والمشاكل والمشاغبات بل في العشق والحب والعمل.

وقد يسأل البعض: كيف أعشق الحياة؟

والحكاية بسيطة حاول أن تنظر إلى الدنيا بالتفاؤل وتحب كل ما حولك ومن حولك، حب الطبيعة وتمتع بشروق الشمس عندما يأتي الفجر وينشر خيوط الضوء والنور وتدب الحياة في الأرض، تمتع بالغروب وروعته عندما تودعنا الشمس يومياًّ وتذهب إلى نصف الكرة الأرضية الثاني، أن مظر الغروب وشمس الأصيل، والنهار يميل إلى النهاية لهو رائع فعلا لو تأملته، حب عملك مهما كان بسيطاً وحاول أن تبدع فيه وتغيره للأفضل، اكتشف مواهبك واستعدادك وتأكد أنك تملك الكثير لكن للأسف لم تحاول أن تتعب نفسك وتكتشف مواهبك، الخالق العظيم خلق مليارات من البشر وجعل لكل واحد بصمه خاصة ومع البصمات وزع أيضاً المواهب والعبقريات، وعلى الأقل الأستعداد المعين.

حب كل الناس وحب الحياة وهذه أولى درجات العشق، لا تتوقف أمام أي مشكلة فلكل مشكلة حل مهما صعبت أوكبرت، وعاشق الحياة يؤمن بذلك، جرب ولن تندم وحاول أن تطبق هذا الشعار:

عش عاشقاً تحيا مرتين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم