| عالم المكتبات | أضواء |
من الواضح أنى لست الوحيد، من يعشق كل قديم، فهناك من هو أكثر مني نشاط وحيوية ويبحث ليس بين طيات الكتب فقط، ولكن بين البشر والدروب، لا يكل ولايتعب، يمتعنا بقصص وحكايات من عصر فات، قرأت كتابه أكثر من ثلاث مرات في خلال سنتين، وهذا لأني ببساطة وجدت أنه عند قراءته كل مرة أكتشف الجديد، مثله مثل الأفلام العربية المصرية القديمة فكلما تشاهدها لأكتشفت فيها مواقف وتعليقات من الممثلين العظماء تبهرك وتسعدك حتي ولو شاهدتها كل يوم.
كتاب رائحة الغياب للكاتب أسامة كمال، هو حالة فريدة من الكتابات التي أعشقها، فهو في كتابه قام بجولة بحث فيها عن أشياء نفتقدها اليوم بين صخب التكنولوجيا والحروب والصراعات، بحث عن وجوه نَحنُ إليها ونتمني أن تعود إلينا، بل الأكثر من هذا فقد أكتشفت أنه خلق لنا علاقة ليس بيننا وبين البشر فقط، بل بيننا وبين أدوات ومهن كان يستخدمها ويعمل فيها أجدادنا وهي أيضاً بدأت في الأختفاء، لا بل أختفت بالفعل.
بأسلوب شيق وراقي يبدأ معك قصة أو مكان وفي نهايتها يُعدك لكي ينطلق بك في القصة التالية وكأنه قطعة نسيج تمثل كل خيط فيه قصة لها لون مميز، وعندما تنظر إلي تلك القطعة الجميلة من بعيد لأستطعت أن تتحقق من جمالها وألوانها المميزة لها وذلك العصر الجميل التي صنعت فيه.
ففي الوقت الذي يبدأ فيه معك بعم سعد مصور الشارع التقليدي وأمانيه وأحلامه لوجدته أنتقل بك إلي عم محمد صبح صانع الكلوبات وكانه أخذك بطريقة سحرية من ضؤ فلاش الكاميرا ونقلك إلي ضؤ الكلوب الشهير، ويأخذ القارئ معه في جولة حية في شوارع بورسعيد، ولما لا وهو مواطن بورسعيدي أصيل، يعرف كل صغيرة وكبيرة في بلدته، ويحفظها كما يحفظ أسمه.
ثم أنتقل في الجزء الثانى من كتابه ليحاور الأماكن وتتحاور هي معه فتخرج ما في جعبتها حتي أن الحجارة تكلمت معه وأفشت بأسرارها، ولكن أكثر تلك الأماكن التي زارها وأستمتعت بها هي طابية عرابي بمدينة دمياط وفيلا فرديناند ديليسبس والعديد من الأماكن الأخرى التي زارها وأنفرد كمال بالكتابة عنها بأسلوبه البسيط الرائع والجذاب.
في الحقيقة يجب أن أدعو الكاتب بأعادة التجربة مرة أخرى، تلك التجربة التي تندرج تحت أدب الرحلات وأشجعه علي الأستمرار فيها، وهذا لا يقلل من كتاباته الأخرى ولكن لتفرده وتميزه عن آخرين في هذا النوع من الأدب.
إصدار دار شرقيات


