| عالم المكتبات | تحقيقات |
قلم: نادر حبيب
في مقابلة مع الدكتورة هويدا كامل مدير عام العلاقات العامة والاتصالات الخارجية بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، استطاع محرر عالم المكتبات، أن يفتح الباب للقارئ لمعرفة ما يدور خلف جدار هذا المبنى العريق الذى يقبع على كورنيش النيل بكل ما يحتويه من إيجابيات وسلبيات وذلك لأهميته الكبيرة في حفظ التراث الأنسانى المصرى من مؤلفات ووثائق على مر العصور.
تقول كامل تعد دار الكتب المصرية أول مكتبة وطنية في العالم العربي، ففي عام 1870م وبناءً على اقتراح من على باشا مبارك ناظر ديوان المعارف- وقتئذ- أصدر الخديو إسماعيل الأمر العالي بتأسيس دار للكتب بالقاهرة «الكتبخانة الخديوية المصرية» لتقوم بجمع المخطوطات والكتب النفيسة التي كان قد أوقفها السلاطين والأمراء والعلماء على المساجد والأضرحة والمدارس ليكون ذلك نواة لمكتبة عامة على نمط دور الكتب الوطنية في أوربا. وفي عام 1904م انتقلت المكتبة إلى مبنى أنشئ لها في ميدان باب الخلق.
وفي عام 1971م انتقلت المكتبة إلى المبنى الحالي على كورنيش النيل برملة بولاق، والذي صمم ليكون صالحًا لأداء الخدمات المكتبية الحديثة وليتمكن بمساحاته الضخمة من توفير مخازن مناسبة لحفظ المخطوطات والبرديات والمطبوعات والدوريات والميكروفيلم، بالإضافة إلى قاعات تستوعب العدد الضخم من المترددين على الدار وتخصيص أماكن للمراكز المتخصصة والمكاتب الإدارية ليؤدى وظيفته كمكتبة وطنية تقدم خدماتها للباحثين والقراء في شتى المجالات.
وفي عام 1966م تم ضم دار الوثائق المصرية إلى دار الكتب المصرية، وفي عام 1993م صدر القرار الجمهوري بإنشاء الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، وأصبح لها هيكل تنظيمي مستقل، وقسمت إلى عدة إدارات مركزية رئيسة هى الإدارة المركزية لدار الكتب، الإدارة المركزية لدار الوثائق، الإدارة المركزية للمراكز العلمية، الإدارة المركزية للشئون المالية والإدارية، دار الكتب بباب الخلق، الإدارات التابعة لرئيس مجلس الإدارة.
أما اليوم ــ والحديث لكامل ــ نحن نعمل من خلال ثلاث مواقع مهمة أولاً دار الكتب في باب الخلق والتى كان قد أعيد أفتتاحها في2007 ولكن بعد التفجير الذى حدث لمبنى مديرية أمن القاهرة في2014 الذي يقع مباشرة أمام دار الكتب والوثائق فأننا نعمل ومنذ ذلك التاريخ علي ترميم وأستعادة ما تم تدميره والأستعداد لإفتتاحها مرة أخرى قريباً، الموقع الثانى وهو دار الوثائق القومية في الفسطاط وهو مبنى حديث تم إفتتاحه منذ عامين وهو مجهز بكثير من الأدوات الحديثة والمعامل المتطورة من أجل الحفاظ علي الكتب والمخطوطات القيمة وأستيعاب هذا الكم الهائل من الوثائق والكتب المتزايدة،، هذا بخلاف القاعات الكبيرة المؤهلة لأستيعاب أعداد كبيرة من الزائرين وخاصة عند إقامة المؤتمرات المتخصصة والتي تكون متاحة أمام الجمهور للحضور، كما لدينا 82 مكتبة فرعية هذا بخلاف ستة مكتبات متنقلة تذهي للأحياء التى ليس فيها خدمات المكتبات، ووتوفر خدمة الاطلاع دون الاستعارة، وبتوجيه من الدكتور أحمد الشوكى رئيس هيئة دار الكتب والوثائق القومية أصبحت هذه المكتبات المتنقلة تذهب للجمهور في مواقع تجمعهم مثل الحدائق العامة بدل إنتظار حضورهم في أى من المواقع التابعة للهيئة فخرجنا مثلاً في أجازات الصيف الماضى لحديقة الحيوان وحديقة الازهر وكما توقعنا فقد وجدنا رواجاً من الموطنين الشغوفيين بحب القراءة وإيجاد فرصة جيدة لمعرفة تراث بلدنا، وكذلك الموقع الرئيسي بمبنى الكورنيش في رملة بولاق ونقدم فيه أيضاً خدمات الاطلاع دون الأستعارة، بالإضافة لخدمات التصوير وبرسوم زهيدة جداً.
دار الكتب والوثائق القومية هى غنية بالتراث الثقافي والأنسانى الخاص بها، فهناك مجموعات من المخطوطات النفيسة، مجموعة البرديات، مجموعة العملات المعدنية، مجموعة الخرائط إلي جانب الوثائق الموجودة في دار الوثائق القومية وهى عبارة عن ملفات وسجلات الارشيفاتالخاصة بالوزارات المختلفة علي مر العصور، وهى بالطبع مصدر غني للباحثين من كل أنحاء العالم، مصريين وعرب وأجانب الذين يأتون خصيصاً للإطلاع علي هذه المصادر والحصول علي نسخة ضوئية منها، وهنا ترجع أهمية دار الكتب والوثائق القومية في حفظ وأرشفة وتصنيف وفهرسة الأصول، وكذلك ترميمها إن احتاج الأمر، حيث أنه لدينا ثلاث معامل متطورة ومخصصة لترميم ورقمنة هذه الوثائق، وتحويلها إلي Compact Disk ونوفرها بعد ذلك للباحثين، في الماضى كنا نستخدم الميكروفيلم كوسيط للحفظ، ولكننا نعمل اليوم أيضاً لتحويل هذه الوثائق من الشكل القديم إلي الشكل الحديث، لأنه مشروع كبير يحتاج إلي وقت ومجهود وإمكانيات كبيرة لوجستية ومادية، حيث أنه لدينا حوالي ستين ألف مخطوطة، وحوالي مائة مليون وثيقة، وكل هذا في تزايد، وكذلك الكتب في أزدياد وهو ما يحتاج إلي مساحات شاسعة لحفظه.
عندما حدث حريق للمجمع العلمى في 2012 أحضروا إلينا كل الوثائق التى كانت لديهم وبدأنا في فرز ما تم حرقه، وما كان فيه الأمل لأنقاذه بدأنا العمل عليه اترميمه وإعادته لحالته الاولى، وما كان يصعب ترميمه لشدة تعرضه للحريق بالطبع فقدناه، ولكننا عملنا علي إصلاح ما تلف منها وأعدناه مرة أخرى للمجمع العلمى بالأضافة مثلاً إلى أن كتاب مثل كتاب وصف مصر فنحن لدينا الأجزاء الكاملة منه والأصلية، ولحسن حظنا بالطبع هناك العديد من نسخ الكتاب حول العالم، ومن الرائع في هذا الموضوع بالخصوص أن حاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي – الذى دائما ما يقول أنا صناعة مصرية خالصة – أهدى المجمع العلمى نسخة لديه من مكتبته وهذا يقودنا إلي أن نوضح للجمهور كيف أن حاكم الشارقة قد ساهم في إنشاء مبنى الفسطاط، وكذلك مساهمته في ترميم وإستعادة مبنى باب الخلق في عملية الترميم الأولى وعملية الترميم الحالية.
بالطبع عملية زيادة الكتب في دار الكتب هو شئ كبير جدا وذلك لأننا الجهة المنوط بها إصدار واعطاء رقم الايداع الدولي للمؤلفين علي مؤلفاتهم، حيث أن قانون الإيداع الدولي يحتم علي كل منتج فكرى أن يحصل على رقم الإيداع الدولي من دار الكتب، وعلي المؤلف إيداع عشر نسخ من الكتاب ويتم توزيعهم علي المكتبات الفرعية والتى سبق وتكلمنا عليها، في الماضى كان بعض الكتاب يهربون من عملية (تسجيل الكتب الخاصة بهم) ولكننا عملنا لسنين عديدة مرة بالطرق السلمية ومرة باللجوء للقانون لالزام المؤلفين من إيداع كتبهم حتى أصبح هذا الامر من الأمور التقليدية وخاصة هذا التسجيل وهذا الرقم يعطى الحماية للمؤلف للحفاظ علي فكره ومؤلفه من السرقة الفكرية التى أعتدنا أن نراها بين الحين والآخر، وجدير بالذكر أن من أول عام 2017 وحتى 30 نوفمبر حصل 12390 كتاب على رقم إيداع من دار الكتب منهم 11628 كتاب باللغة العربية و752 باللغات الاخرى.
تؤكد كامل وحسب الارقام المتاحة أن عملية إصدار الكتب لم تتأثر كثيراً عن الاعوام السابقة ولكن وبكل تأكيد فأن زيادة أسعار المواد الخام الداخلة في صناعة الكتاب نفسه قد زادت بأرتفاع أسعار الورق والأحبار، وهذا قد واجهناه أيضاً في مطابعنا بشكل كبير كجهة حكومية فما بالك بالمطابع الخاصة، وهنا نجد أن التوجه للنشر الالكترونى سيصبح هو الأمل وقارب النجاة لصناعة الكتاب.
وبما أننا نتكلم علي النشر الالكترونى فأننا في الحقيقة وفي كثير من الاحيان نجد علي بعض المواقع تبيع الكتب المسروقة وهذا Business لا يمكن أن نوقفه أو نمنعه ولكننا نعمل علي ملاحقته قانونياً بالأستعانة بالشئون القانونية وهذه العملية موجودة في العالم كله وطالما أن هناك إنتاج للكتب هناك أيضاً سرقات لهذه الكتب ولهذا ولمجابهة مافيا سرقة الكتب وجب علينا تعديل قوانين حقوق الملكية الفكرية وتفعيلها وأن يكون لها عقوبات رادعة، وخاصة أن إهمالها يكون له سلبيات علي أقتصاديات صناعة الكتاب.
وهنا بالطبع يظهر أهمية رقم الإيداع لأنه يحفظ الحق للمولف في مؤلفاته، ولهذا نحن لا نقوم بطبع أى منتج ثقافي كهيئة دار الكتب والوثائق القومية إلا بعد مرور سنين عديدة تكون فيها أحقية المؤلف قد سقطت عنها ككتب تراثية وأصبحت في حكم التراث ولو أحتجنا أن نطبع كتاب معين يندرج تحت حقوق الملكية الفكرية فأننا نحصل علي موافقة المؤلف أو الورثة إن وجدوا، لنعيد طباعة ذلك الكتاب ونحن في ذلك نتبع القواعد والإجراءات كجهة رسمية ولكن بالطبع قد لا تقوم بعض دور النشر بهذه الاجراءات فتعرض نفسها للملاحقة القانونية.
وكأحدث مشروعات هيئة دار الكتب والوثائق القومية تقول كامل « لقد وقع الدكتور أحمد الشوكى ثلاثة إتفاقيات تدريب مع أذربيجان في معاهد المخطوطات وكذلك أتفاقيات مع دولة الكويت من خلال برنامج الكويت الانمائى وهى مشروعات تم الأتفاق عليها من فترة ولكن الاجراءات الخاصة بها بتأخذ وقت ولكنها على وشك البدء في التنفيذ، وكذلك كأول مركز لترميم الكتب والمخطوطات في المنطقة – أنشئ عام 1997 كأهداء من الحكومة الاسبانية وكان الملك خوان والملكة صوفيا قد حضروا أفتتاحه – يعتبر هذا المركز مدرسة تعلم فيه العديد من الكوادر المتخصصة علي عمليات الترميم، فعملية الترميم هي عملية فنية ودقيقة على أعلي مستوى، فعملية تجميع قصاقيص الورق وتصنيع نفس نوعية الورق المستخدم لإعادة إحياء المخطوطة وإعادتها لما كانت عليه تحتاج مهارات وفنون لن نجدها إلا في هذا المركز، الذى أصبح فيه كوادر حاصلة علي الماجستير والدكتوراه فى الكيمياء والترميم بكل تخصصاصته، علي أعلي مستوى في الشرق الأوسط وهذا شجع بعض الجهات الخاصة والدول الصديقة في طلب هؤلاء المتخصصين لأنقاذ مخطوطاتهم وتراثهم من الاندثار، والعمل علي ترميمها وتجليدها مرة أخري وكذلك تدريبهم علي أعمال الترميم.
كذلك من أهم القطاعات التى نعمل من خلالها قطاع المراكز العلمية وهى من أهم القطاعات التى تخدم دار الكتب والوثائق لأنها مقسمة إلي خمس مراكز علمية هي مركز تحقيق التراث، مركز تاريخ مصر المعاصر، مركز بحوث أدب الطفل ومركز البيبليوجرافية والحاسب الآلي والترميم، بالإضافة إلى مركز التنمية البشرية وهذه المراكز بدورها تعمل علي ربط المواطنين بالهيئة حيث تقدم أبحاث ودراسات تهم الجمهمور الباحث عن تراث بلده وحضارته وربط المجتمع بالمكتبة ومنذ الصغر، ولهذا ليس من الغريب أن نجد منافذ لبيع هذه الدراسات والكتب في كل من المواقع التى نعمل من خلالها وسبق الإشارة لها، وبالطبع منفذ باب الخلق متوقف عن العمل حتى يتم الانتهاء من عمليات الترميم، كذلك هناك الفعاليات والاحتفاليات الثقافية التى تربط المجتمع بالهيئة طوال الوقت مثل أحتفاليةمصحف عثمان والذى قد أستغرق ترميمه أكثر من ثلاث سنوات، وكنا قد أفتتحناه في شهر أغسطس الماضى بالفسطاط، وكان لنا مؤتمر مهم في أدب الأطفال، ومؤتمر المكتبات الذى شاركنا فيه الاتحاد العربي للمكتبات، وقريبا سنحتفل مع دار الهلال بمرور 125 عاماً على إنشائها.
كما سبق وأوضحنا فأن الهيئة محتوياتها نفيسة جدا ولكن تنقصها الموارد البشرية والمادية التى تساعدها على إتمام عملها بالشكل المنوط بها علي أكمل وجه، فنحن لدينا أكثر من1800 موظف موزعين على المكتبات والفروع وشأنها شأن هيئات حكومية كثيرة جداً، فهم يستهلكون جزء كبير من ميزانية الدولة كرواتب ولكن في الحقيقة نحن في حاجة إلى دماء جديدة، ويكون هناك فرصة أمام الشباب المتعلم ومن لديه خبرة في العمل ولديهم الأستعداد للعمل والتعلم لنستطيع الأعتماد عليهم في المستقبل القريب.
من جانب آخر فأنه يجب تفعيل المشروعات بين الهيئة ووزارة التربية والتعليم والخاص بوضع مقررات دراسية للطلبة من تراثهم في مناهجهم الدراسية، أجزاء من التراث المصرى الخالص الغنى، ونقدمه لهم لكى يتعودوا على وجود مثل هذه الأمور في حياتهم وبالتالى عندما يكبرون يعرفون الدور الذى تلعبه الهيئة في حياتهم ويكون هؤلاء هم أول المدافعين عن تراثهم وأول المتمسكين به، ستتعجب – والحديث لكامل – عندما تعرف أنه إذ ما خرجت للشارع وسألت أحد المارة بطريقة عشوائية أمام هذا المبنى على كورنيش النيل عما بداخل هذا المبنى ستكتشف أنه لا يعرف طبيعة الخدمة أوأهمية هذا المبنى ودوره في الحفاظ على التراث الوطنى، نحن ينقصنا الثقافة الحقيقية، فالأمل في الأطفال .. فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر.
Tags:
تحقيقات

