| عالم المكتبات | أضواء |
كل عام، ومع صدور القوائم والتصنيفات الدولية، يتجدد السؤال نفسه: ما هي أفضل مكتبة في العالم؟ وفي 2025 تحديدًا، أظن أن هذا السؤال لم يعد فقط غير دقيق، بل أصبح مضلِّلًا أيضًا. لأن المكتبات اليوم لم تعد تتنافس على لقب واحد، بل على أدوار مختلفة، كل منها يعكس تصورًا خاصًا لمعنى المعرفة ووظيفتها في المجتمع.
من وجهة نظري، الخطأ الأكبر هو البحث عن مكتبة «الأفضل على الإطلاق»، بينما الواقع يقول إننا أمام نماذج متعددة للتميّز، لا يمكن جمعها تحت سقف واحد.
المكتبة التي اختارت الناس قبل الكتب
حين منحت IFLA جائزتها لعام 2025 لمكتبة Gabrielle-Roy في كيبك، لم يكن القرار مفاجئًا. هذه المكتبة لا تراهن على الواجهة المعمارية وحدها، بل على الإنسان، هنا تتحول المكتبة إلى مساحة حياة: برامج تعليمية، دمج للفئات المهمشة، اهتمام حقيقي بالبيئة، وتقليل للنفايات. برأيي، هذا النموذج يعبّر بصدق عن مكتبة المستقبل: مكتبة لا تسأل الزائر عما يريد أن يقرأ، بل عما يحتاجه.
في المقابل، لا يمكن تجاهل مكتبات مثل مكتبة كلية ترينيتي بدبلن، التي لا تزال تحصد إعجاب القرّاء حول العالم، قد يقول البعض إنها مكتبة «تقليدية»، لكن الحقيقة أنها تؤدي دورًا لا يقل أهمية: حماية الذاكرة الإنسانية، فالوقوف في Long Room ليس تجربة قراءة، بل تجربة وعي بالتاريخ.
ومن وجهة نظري، عالم بلا مكتبات كهذه هو عالم بلا جذور.
هناك أيضًا مكتبات تُصنَّف بين الأفضل بسبب جمالها البصري فقط، مثل مكتبة كليمنتينوم في براغ أو مكتبة دير سانت غالن في سويسرا، ورغم أن البعض يقلل من قيمة هذا النوع من التميز، إلا أنني أراه ضروريًا. الجمال نفسه بوابة للمعرفة، وأحيانًا يكون الدافع الأول لدخول عالم الكتب.
لكن السؤال الأهم في رأيي هو:
هل ما زلنا نقيس المكتبات بعدد الكتب على الأرفف؟
مكتبات مثل Chicago Public Library تقدّم إجابة واضحة: المستقبل رقمي، وسهولة الوصول لا تقل أهمية عن المحتوى نفسه، كما أن تصاعد الاهتمام بالمكتبات الخضراء في 2025 يعكس وعيًا جديدًا بدور المكتبة كفاعل بيئي، لا مجرد مؤسسة ثقافية.
ولهذا فأن أفضل مكتبة في 2025 ليست مبنى، ولا قاعة، ولا حتى مجموعة كتب.
أفضل مكتبة هي تلك التي: تفهم مجتمعها، تحترم تاريخها، وتستعد بجدية للمستقبل
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: ما هي أفضل مكتبة في العالم؟
بل: أي مكتبة تؤدي دورها بصدق في عالم مضطرب، سريع، ومتشوّق للمعرفة؟
Tags:
اضواء