«تفكيك التاريخ»: الكتاب الذي هزّ يقين المؤرخين وفتح بوابة جديدة لفهم الماضي

| عالم المكتبات | كتاب جديد |
 المؤرخ البريطانى ألون مونسلو - ١٥ ديسمبر ١٩٤٧ - ١ أكتوبر ٢٠١٩

يأتي كتاب «تفكيك التاريخ» للمؤرخ البريطاني ألون مونسلو، بترجمة الدكتور قاسم عبده قاسم، كأحد أهم الكتب التي غيّرت طريقة فهمنا للتاريخ في العقود الأخيرة. هذا العمل، الصادر عن المركز القومي، ليس مجرد مراجعة نقدية لطرائق كتابة التاريخ، بل هو محاولة جذرية لإعادة تعريف التاريخ ذاته: ما هو؟ وكيف يُكتب؟ ومن يملك حق «صناعة» الماضي؟

يرى مونسلو، منذ الصفحات الأولى، أن التاريخ كما نعرفه ليس مرآة صادقة تعكس ما وقع بالفعل، بل خطابٌ لغوي وسردٌ مُنتج داخل الحاضر. فالمؤرخ، في نظره، لا يكشف الماضي بل يؤلفه داخل نصٍ جديد يتأثر باللغة والإيديولوجيا والسلطة. ولعل قيمة هذا الطرح أنه يواجه مباشرةً «وهم الموضوعية» الذي سيطر على المدارس الكلاسيكية منذ رانه وحتى الواقعية الجديدة.



يعيد الكاتب ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر؛ فالماضي ليس معطى ثابتًا نعود إليه كما هو، بل يتحوّل مع كل جيل بحسب أسئلته، وهويته، وأزماته. وبذلك يصبح التاريخ عملية بناء لا إعادة بناء، ومن هنا تنبع جذوة الجدل التي أثارها الكتاب منذ صدوره الأول عام 1997.

ويتعمق مونسلو في تحليل أدوات التفكيك عبر ثلاثة أسماء كبرى: ديريدا الذي يرى أن النص محمّل بتناقضاته الخاصة، وفوكو الذي يفكك السلطة والمعرفة عبر التاريخ، وهايدن وايت الذي طرح فكرة أن المؤرخ يختار شكل السرد قبل اختيار الوقائع. هذه الأدوات تجعل التاريخ، وفقًا لمونسلو، أقرب إلى نص أدبي متعدد القراءات منه إلى علم يبحث عن حقيقة واحدة نهائية.

وقد أثار الكتاب ردود فعل متناقضة، فـالمدارس التقليدية هاجمته بشدة، معتبرة أنه ينسف إمكانية كتابة التاريخ كعلم. بينما رحّب به رواد ما بعد الحداثة مثل كيث جنكنز وبيفرلي ساوثغيت، واعتبروه نصًا تأسيسيًا في «المنعطف اللغوي» داخل العلوم التاريخية. ومع صدور طبعته الثانية عام 2006، اكتسب مكانته كعمل كلاسيكي لا غنى عنه لطلاب الدراسات العليا في التاريخ والفكر النقدي.

أما مونسلو نفسه (1947–2019)، فهو أحد أبرز منظّري التاريخ في بريطانيا، والمحرر المؤسس لمجلة Rethinking History، وله إسهامات بارزة مثل Narrative and History (2007) وThe Future of History (2010). وقد ارتبط اسمه بما يُعرف اليوم بـ«مدرسة التاريخ ما بعد الحداثة».

في المحصلة، يقدم «تفكيك التاريخ» تجربة فكرية لا تترك قارئها على الحياد، إمّا أن تُعيد النظر جذريًا في مفهومك للتاريخ، وإمّا أن تتمسك أكثر بالدفاع عن المدرسة التقليدية، لكن في كل الأحوال، سيضعك الكتاب أمام سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله:

هل نكتب التاريخ… أم نؤلفه؟

قام بترجمة الكتاب قاسم عبده قاسم مترجم كتاب وتم نشره بالمركز القومي للترجمة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم