هزيمة الغرب… قراءة في كتاب يكشف سقوط حضارة من الداخل

| عالم المكتبات | كتاب جديد |

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «هزيمة الغرب» للمؤرخ والديموغرافي الفرنسي إيمانويل تود عن دار الساقي عام 2025، يجد القارئ العربي نفسه أمام واحدة من أكثر القراءات جرأة لمسار الحضارة الغربية في لحظتها الحرجة، فالكتاب لا يكتفي بتحليل سياسي للحرب في أوكرانيا أو لصعود روسيا، بل ينفذ إلى عمق البنية الثقافية والدينية والديموغرافية التي يرى تود أنّها تتهاوى من الداخل، مزيحة الصورة التي طالما تباهى بها الغرب بأنه مركز العالم الحديث.

يقدّم تود سردًا تاريخيًا يتتبّع فيه التحول الديني للغرب من مرحلة الإيمان الفاعل إلى ما يسميه «المرحلة الزومبي» التي تستمر فيها الطقوس بلا تأثير، ثم إلى «الصفر الديني» حيث يتبخر المعنى كليًا، هذا الفراغ، في رأيه، فتح الباب أمام النيوليبرالية المتطرفة التي دفعت المجتمعات نحو العدمية وغياب الهدف، وهو ما يعتبره المؤشر الأوضح على فقدان الغرب لهويته الروحية التي شكّلت أساس مشروعه الحضاري.




وفي مقابل هذا الانهيار، يرصد تود صعود روسيا كنموذج «محافظ» أكثر تماسكًا، يستند إلى منظومة قيم تحافظ على قدر من الاستقرار. ويرى أن ما يسميه «الجنوب العالمي» بات يميل إلى هذا النموذج، بعدما أظهرت الحرب الأوكرانية حدود القوة الغربية، وكشفت هشاشة خطابها الأخلاقي. هنا يضع الكاتب العالم في إطار جديد متعدد الأقطاب، يبتعد تدريجيًا عن المركزية الغربية.

ويمضي الكتاب في تشريح مفصل لمظاهر التراجع في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا، مستندًا إلى مؤشرات ديموغرافية واقتصادية واجتماعية صادمة؛ من انخفاض متوسط العمر وارتفاع وفيات الأطفال إلى تفكك الطبقة الوسطى وغياب المشروع الأوروبي. ويصل تود في تحليله إلى وصف بريطانيا بـ«الأمة الصفر»، بينما يرى الاتحاد الأوروبي كيانًا عاجزًا عن تقديم نموذج حضاري بديل، وهو ما أثار جدلًا واسعًا بين من رأى في الكتاب تشخيصًا دقيقًا للأزمة ومن اعتبره منحازًا لروسيا ومبالغًا في سوداويته.



في النهاية، يقدم تود تفسيرًا لانحدار الغرب باعتباره انهيارًا للمعنى قبل أن يكون تراجعًا للقوة. «هزيمة الغرب» – كما يصوّرها – ليست حدثًا سياسيًا عابرًا، بل تحوّلًا حضاريًا عميقًا يجعل الغرب قوة بلا مشروع أخلاقي، فيما تتشكل خارجه نماذج أكثر قدرة على البقاء. وبقدر ما يحمل الكتاب من صدمة، فإنه يضع القارئ أمام السؤال الأوسع: كيف تتغير الخرائط حين تخسر الحضارات قيمها قبل أن تخسر نفوذها؟

إرسال تعليق

أحدث أقدم