| عالم المكتبات | تحقيقات |
تُعدّ المخطوطات الوعاء الحافظ للعلوم وذاكرة الحضارات، فهي الجسر الذى يربط بين الأجيال ويُبقي أثر المعرفة حيًا عبر الزمن، وتُعد مكتبة الإسكندرية الحديثة واحدة من أهم خزائن التراث العربي والإسلامي، بما تمتلكه من كنوز معرفية دوّنها علماء الأمة عبر قرون طويلة، حيث تضم ما يقرب من خمسة آلاف مخطوط أصلي يغطي مختلف فروع المعرفة، ومع التطور الهائل فى التكنولوجيا، كان من الضروري تأسيس بنية حديثة لحماية هذا الإرث، فجاء إنشاء مركز ومتحف المخطوطات عام 2001 ليكون درعًا علميًا وثقافيًا لحفظ التراث وتحقيقه وصيانته وإتاحته للباحثين، ومع توسّع الأنشطة تم دمج إداراته في وحدة موحّدة عام 2023 يعمل بها 76 باحثًا ومتخصصًا.
ويحتفظ المتحف بمجموعة استثنائية من المخطوطات والكتب النادرة تمثل شواهد حية على مسيرة الفكر الإنساني، من أبرزها مخطوطة "البُستي" التي تُعد أقدم مخطوطة عربية في العالم، وتفسير القرآن المكتوب عام 368هـ، إلى جانب مخطوطة "المدونة" في الفقه المالكي والمكتوبة على الرق في القرن الخامس الهجري. كما يعرض المتحف قطعًا نادرة من كسوة الكعبة المشرفة، ومخطوطات طبية بارزة مثل "الموجز في الطب" لابن النفيس و"المنصوري" للرازي، ومخطوطات فلكية ورياضية نادرة من بينها نسخة أصلية من "تحرير أصول الهندسة" لإقليدس. وفي قسم المصريات، يبرز "كتاب الموتى" الفرعوني العائد إلى 1500 ق.م، فضلًا عن نسخة من موسوعة "وصف مصر" المطبوعة في باريس عام 1821، إلى جانب مقتنيات دينية نادرة تشمل لفائف توراة من القرن الثامن عشر، ونسخة من توراة "فرّارة"، والإنجيل الأول المطبوع عام 1456.
وتتمتع المصاحف المعروضة في المتحف بثراء فني يعكس مدارس الخط والزخرفة عبر العصور الإسلامية، بدءًا من الزخارف الهندسية البسيطة في العصر العباسي، مرورًا بالأندلس والمغرب بخطوطهما الخصوصية ذات الألوان المستوحاة من الطبيعة، وصولاً إلى المدرسة المملوكية بزخارفها المذهّبة المدرّجة، والعثمانية بدقتها وأناقة خطوط النسخ والثلث، ثم الصفوية التي عُرفت بمنمنماتها الدقيقة وزخارفها النباتية.
ويعمل المركز على مشروع رقمي ضخم يهدف إلى حفظ المخطوطات وإتاحتها عالميًا، حيث تضم المكتبة خمسة آلاف مخطوط أصلي وأكثر من 150 ألف نسخة رقمية ومصوّرة ضمن مشروع "جمع المئة ألف مخطوط". كما أطلقت المكتبة "الأرشيف الرقمي للمخطوطات" لإنشاء نسخ رقمية كاملة لآلاف العناوين وإتاحتها للباحثين بما يضمن حماية النسخ الأصلية من التداول المباشر، واعتماد ظروف بيئية مُحكمة للحفظ الطويل.
وتُعدّ البيئة غير المناسبة واحدة من أكبر التحديات التي تواجه المخطوطات في كثير من المؤسسات، مثل غياب التحكم في الحرارة والرطوبة والتهوية، إضافة إلى ضعف الفهرسة الورقية والإلكترونية، ونقص معامل الترميم المتخصصة، وهو ما يؤدى إلى خسائر كبيرة في التراث المخطوط. وتمثل غياب الرقمنة تحديًا آخر، إذ يؤدى تداول النسخ الأصلية إلى تلفها، بينما تُعد الرقمنة البديل الأمثل للحفظ والإتاحة.
ونفّذ مركز ومتحف المخطوطات عددًا من المشروعات البارزة في صيانة التراث العربي والإسلامي، شملت ترميم مقتنيات دار الآثار الإسلامية بالكويت عام 2011، وسجلات قناة السويس الأصلية، ومخطوطات الديوان الأميري عام 2014، ومخطوطات البطريركية اليونانية، إلى جانب أعمال الترميم الدورية لمقتنيات مكتبة الإسكندرية. كما يعمل المركز على نشر فهارس غير منشورة سابقًا، وتحقيق مخطوطات الطب والصيدلة، وترجمة مقدمات المستشرقين، خاصة الألمان، الذين قدّموا دراسات استشراقية دقيقة ومنصفة.
ويقدّم المركز خدمات واسعة للباحثين تشمل توفير نسخ رقمية على أقراص، وتسهيل الاطلاع على الأعداد الأولى من الصحف والمجلات التاريخية، وتنظيم جولات متحفية وورش تدريبية في الفهرسة والترميم والحفظ البيئي، إضافة إلى دورات للماجستير والدكتوراه تؤهل الباحثين للعمل في مؤسسات التراث، إلى جانب ندوات تثقيفية لتعريف الجمهور بتاريخ الحضارة الإسلامية ورجالاتها. كما يعرض المتحف فيلمًا وثائقيًا يوضح مراحل ترميم المخطوطات، من التعقيم إلى إعادة التجليد، مع إبراز الفارق بين حالة المخطوط قبل الترميم وبعده، وتصدر الإدارة كتبًا وبحوثًا مهمة مثل "كيمياء السعادة" للغزالي و"الحسن بن الهيثم بين الشرق والغرب".
ويولي المتحف اهتمامًا كبيرًا بالنشء من خلال برامج تعليمية موجهة للأطفال، تتضمن ورشًا ومسابقات وعروضًا مسرحية تعرفهم بتاريخ العلماء وتراث الأمة، فضلًا عن برنامج "المتحف المتنقل" الذي يقدم أنشطة تثقيفية داخل المدارس. وتشمل هذه الفعاليات موضوعات مثل تاريخ كسوة الكعبة، وعلوم العرب والمسلمين، ورحلات معرفية إلى الأندلس، وحكايات "كليلة ودمنة" و"ألف ليلة وليلة"، إضافة إلى أنشطة خاصة باليوم العالمي للغة العربية ويوم المخطوط العربي.
أما عن انتقال المخطوطات العربية والإسلامية إلى الغرب، فقد تم بطرق متعددة، بعضها مشروع عبر التبادل العلمي أو إرسال المخطوطات للدراسة والترميم، بينما جرى الكثير منها بطرق غير شرعية خلال فترات الاستعمار، حيث نقلت آلاف المخطوطات إلى المتاحف والجامعات الغربية، مما يجعل حلم عودة "المخطوطات المهاجرة" أمنية لا تزال معلّقة في أذهان المتخصصين والمهتمين بالتراث.
Tags:
تحقيقات


