كيف تختار المجلات العالمية كتبها المفضّلة لنهاية العام؟ .. حوار يكشف ما وراء الكواليس

| عالم المكتبات | تحقيقات |

مع نهاية كل عام، تنشغل الصحف والمجلات العالمية بنشر قوائم "أفضل الكتب" و"الإصدارات الأكثر أهمية" و"القراءات الأساسية" التي صدرت خلال العام، ويتعامل القرّاء عادة مع هذه القوائم باعتبارها أحكامًا نهائية أو معيارًا للذوق العالمي، لكن قليلين فقط يتوقفون لطرح سؤال بديهي: كيف تُختار هذه الكتب أصلًا؟ هل تتحكم فيها العلاقات والدوائر المغلقة في عالم النشر؟ هل تلعب المحسوبية دورًا؟ أم أن قيمة العمل هي الفيصل؟ هذا المقال يحاول الإجابة، اعتمادًا على الحوار المهم الذي دار بين الصحفية كارولين ميمبس نايس ونائبة قسم الكتب في مجلة ذا نيويوركر لورين هاريس، والذي فتح نافذة نادرة على آلية صناعة واحدة من أهم قوائم الكتب في العالم.

توضح لورين هاريس أن العمل على قائمة "الكتب الأساسية" لا يبدأ في نوفمبر أو ديسمبر كما يظن البعض، بل "منذ الأسابيع الأولى من العام"، حيث أنه لدى المجلة ما يشبه "مركز تتبع" لتجميع الكتب المهمة أسبوعيًا، أي كتاب يلمع في الأفق، حتى لو كان عملًا أول أو من ناشر صغير، يُسجل ويُناقش، بهذه الطريقة، لا تعتمد القائمة على ذاكرة انتقائية في نهاية العام، بل تُبنى خطوة بخطوة، عبر مراقبة دقيقة لحركة النشر.

في منتصف العام، تبدأ لورين جولة واسعة داخل المؤسسة، وتتواصل مع كل الكتّاب، والمحررين، وأعضاء الفرق المختلفة، لمعرفة آرائهم حول الكتب المختلفة، والمدهش أن ردودهم ليست نمطية، فبعضهم يرسل قائمة جاهزة من "أفضل عشرة كتب" دون شرح، وآخرون يكتبون رسائل طويلة تشبه بحوثًا صغيرة للدفاع عن كتاب واحد، بينما يعمل قسم الأدب الروائي على مدار العام في اكتشاف الأصوات الجديدة والمغامرات السردية، أما فريق النقاد فيلاحق الكتب المثيرة للجدل أو تلك التي تتحدى السائد، هذه الشبكة الواسعة تجعل القائمة أقرب إلى "نبض جماعي للمجلة" وليس رأيًا فرديًا ضيقًا.

تكشف لورين أن هناك "جدولًا سريًا" لا يراه أحد من خارج الفريق، يتم حصر الترشيحات فيه، ثم يُضغط العدد إلى حوالي 30 كتابًا روائيًا، و30 كتابًا غير روائي، وبعدها تبدأ مرحلة "التحقيق الصحفي الداخلي" من مكالمات، زيارات للمكاتب، رسائل بريدية، والهدف من ذلك هو معرفة قوة الحماس تجاه كتاب معين، وليس مجرد عدد من صوّتوا للكتاب، فكتابٌ يحبه ثلاثة أشخاص حُبًا جارفًا قد يكون أهم من كتاب أعجب عشرة أشخاص إعجابًا متوسطًا.

تقول لورين أنه على عكس الصورة الدرامية لهوليوود، فإن النقاشات حول القائمة المقترحة داخل النيويوركر "هادئة"… إلى حد ما، لا صراخ، لا صفعات على الطاولة، لا تحزّبات، ولكن كما تقول يمكن أن توجد "رسائل بريدية حادة جدًا… لكن مهذّبة للغاية"، وعندها يتم وضع القائمة جانبًا لعدة أيام ليهدأ الجميع، ثم يعودون إليها بعين أكثر اتزانًا قبل اتخاذ القرار النهائي.

تشرح لورين أنه تم اختيار كلمة "الكتب الأساسية" بدلًا من "الأفضل" كان قرارًا مقصودًا، الهدف منه ليس تقديم قائمة تُمثل "الذوق العام"، بل قائمة تعكس وجهة النظر الخاصة للمجلة المبنية على فضول المحررين، اهتماماتهم القديمة، قناعاتهم، هواجسهم الأدبية، وقراءاتهم المتعمقة، فكتاب جميل قد يفشل في الحبكة لكنه يقدم فكرة لا يمكن تجاهلها، وآخر قد يتعثر لكنه يفتح بابًا جديدًا في التجريب الأدبي، إنها قائمة لا تدّعي الكمال، لكنها توثق ما شعرت به المجلة في أن ذلك الكتاب لا غنى عنه في هذا العام.

ووفقًا للورين، فأن ما يجعل كتاباً أساسيا في القائمة، هو الكتاب الذي يشعر العاملون في المجلة أنه يضيف شيئًا جديدًا إلى النقاش الثقافي، التفكير النقدي، أو التجربة الإنسانية، وبالتالى فهو الكتاب الذي لا يمرّ مرورًا عابرًا، بل "يصبح جزءًا من الحوار المستمر بين المجلة وقرّائها وكتّابها".

ما كشفته لورين هاريس ينسف الاعتقاد بأن قوائم نهاية العام تُبنى على المجاملات أو العلاقات الخاصة، ولكنها عملية طويلة ومعقّدة، متراكمة عبر شهور من القراءة، والمناقشة، والاستماع، والمراجعة، لتخرج قائمة ليست محايدة تمامًا، ولا يمكن لأي قائمة أن تكون كذلك، ولكنها قائمة صادقة، مبنية على شغف حقيقي بالقراءة، وونظرة نقدية، مبنى على حوار داخلي جاد، واحترام للقارئ الذي ينتظر هذه التوصيات كل عام، وهكذا تُصنع واحدة من أهم قوائم الكتب في العالم.

في النهاية، قوائم الكتب السنوية ليست مجرد أرقام أو تصنيفات جامدة، بل هي مرآة لفضول القارئ المتقد وشغف المكتبة الحيّة. إنها دعوة لكل واحد منا ليغوص في عوالم جديدة، يكتشف أصواتًا لم يسمع بها من قبل، ويعيد اكتشاف متعة القراءة نفسها. فكل كتاب أساسي نرشحه هو بمثابة جواز سفر لعالم من الأفكار، والأحاسيس، والتجارب التي لن تنسى. وعليه، فإن متابعة هذه القوائم ليست مجرد تتبع لما «هو شائع»، بل هي مغامرة ثقافية حقيقية في كل صفحة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم