بقلم: نادر حبيب
منذ الصفحات الأولى لرواية «دموع إيزيس» للكاتبة إيمان وديع شكر الله، الصادرة عن دار حورس للنشر عام 2026، يدرك القارئ أنه أمام عمل روائي لا يعتمد فقط على التشويق والغموض، بل يستند كذلك إلى بناء دقيق للشخصيات وتفاصيل الحياة اليومية والذاكرة المصرية التي تشكل جزءًا من وجدان أبطاله.
إيمان وديع شكر الله، خريجة كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان وتعمل مهندسة ديكور، تبدو في هذه الرواية وكأنها تستفيد من خلفيتها الفنية في رسم المشاهد والشخصيات. فكل شخصية تمتلك ملامحها الخاصة، وطريقتها في الحديث، وخلفيتها الاجتماعية والنفسية، حتى يشعر القارئ وكأنه يشاهد عملًا دراميًا متكاملًا أكثر من كونه يقرأ رواية مكتوبة.
تدور أحداث الرواية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، متنقلة بين الماضي والحاضر، حيث تتشابك الذكريات مع الأحداث الراهنة في بناء سردي يعتمد على كشف الأسرار تدريجيًا. وتبدأ الحكاية من نقطة شديدة الخصوصية في الذاكرة المصرية؛ ليلة انقطاع الكهرباء الشهيرة التي غطى فيها الظلام أنحاء مصر من أسوان إلى الإسكندرية، وهي ذكرى ما زالت حاضرة لدى أجيال عديدة من المصريين. وقد أحسنت الكاتبة اختيار هذه اللحظة التاريخية لتكون نقطة التقاء بين القراء وأبطال الرواية، خاصة أنها ارتبطت بأجواء شهر رمضان وما يحمله من ذكريات عائلية دافئة.
ثم تنتقل الأحداث إلى عشية موكب المومياوات الملكية، ذلك الحدث الذي أعاد المصريين مرة أخرى إلى شاشات التلفزيون لمتابعة أحد أبرز الإنجازات الثقافية والحضارية في السنوات الأخيرة. ومن هنا تبدأ خيوط الرواية في الانكشاف، عندما يستعيد عالم الآثار الدكتور مراد عز الدين ذكرى سر دفنه في أعماقه لأكثر من ثلاثين عامًا، ويشعر أن الوقت قد حان لكشف الحقيقة قبل رحيله.
تمزج الرواية بين الأسطورة والتاريخ في إطار من الإثارة والتشويق. فبينما اعتقد المصريون القدماء أن دموع الإلهة إيزيس هي سر فيضان النيل، تقدم الرواية تفسيرًا مختلفًا من خلال قطعة أثرية غامضة تحمل اسم "دموع إيزيس"، لتصبح محور الأحداث ومحركًا رئيسيًا للصراع بين الشخصيات.
بعد وفاة الدكتور مراد عز الدين تعود ابنته "ميريت" إلى مصر، لتجد نفسها أمام أسرار لم تكن تعرف عنها شيئًا. وبمساعدة صديقتها "بيرو" تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة، رحلة تقودهما إلى اكتشاف علاقات إنسانية معقدة وأحداث تعود إلى عقود مضت. وفي أثناء ذلك يبرز "خوليو" باعتباره أحد أكثر شخصيات الرواية غموضًا وإثارة للاهتمام؛ شخصية يصعب تصنيفها أو فهم دوافعها بسهولة، مما يجعل القارئ يتابع تطورها بشغف حتى الصفحات الأخيرة.
وعلى الرغم من أن الرواية تمتد إلى أكثر من 700 صفحة، فإنها تنجح في الحفاظ على عنصر التشويق. فكل فصل يكشف جزءًا جديدًا من اللغز، وكل شخصية تحمل سرًا أو زاوية مختلفة من الحقيقة. كما تستفيد الكاتبة من التراث المصري القديم وفكرة "لعنة الفراعنة" لتضفي على الأحداث أجواء من الغموض والإثارة دون أن تفقد ارتباطها بالواقع الإنساني للشخصيات.
ومن اللافت أن الرواية لا تكتفي بسرد حكاية أثرية أو لغز تاريخي، بل تقدم أيضًا صورة عن العلاقات الإنسانية والصداقات الممتدة عبر الزمن، وعن الذكريات التي تظل قادرة على التأثير في الحاضر مهما مرت السنوات. وهي بذلك تتحول من رواية غموض إلى رواية عن الوفاء والصداقة والأسرة والبحث عن الهوية.
جدير بالذكر أن عنوان «دموع إيزيس» سبق أن استُخدم في أعمال أدبية أخرى، منها رواية للكاتب حسني سيد لبيب صدرت عام 1998، وكذلك قصيدة للشاعر أحمد فؤاد نجم، إلا أن رواية إيمان وديع شكر الله تقدم معالجة مختلفة تمامًا تستند إلى عالم الآثار المصري والتشويق المعاصر.
في النهاية، تكشف «دموع إيزيس» عن كاتبة تمتلك شغفًا واضحًا بالتاريخ المصري وتفاصيله، كما تمتلك عينًا فنية قادرة على بناء الشخصيات والمشاهد بعناية. وربما كان هذا الاهتمام بالتفاصيل، القادم من خلفيتها كمهندسة ديكور، أحد أبرز أسباب نجاحها في خلق عالم روائي متماسك يجمع بين التاريخ والأسطورة والدراما الإنسانية في عمل يستحق القراءة.
Tags:
كتاب جديد

