| عالم المكتبات | أضواء |
لسنوات طويلة ساد اعتقاد بأن المكتبات في طريقها إلى التراجع، وأن الشاشات الرقمية ستحلّ محل الرفوف الورقية، لكن الأرقام، كما تؤكد التجارب الحديثة، تقول عكس ذلك تمامًا، صدر مؤخرا تقرير حديث صادر عن ولاية لويزيانا كشف عن ارتفاع ملحوظ في عدد زيارات المكتبات العامة بمقاطعة كالكاسيو، ليضع علامة استفهام كبيرة أمام الخطاب المتشائم حول مستقبل المكتبات.
بحسب التقرير، سجّلت مكتبات كالكاسيو العامة أكثر من مليون استخدام للإنترنت والواي فاي خلال عام واحد، لتتصدر المقاطعات على مستوى الولاية في هذا المؤشر، واللافت أن استخدام الإنترنت داخل المكتبات ارتفع بنسبة تجاوزت 120% بين عامي 2024 و2025، وهو رقم لا يمكن تجاهله عند تحليل أسباب نمو الإقبال، حيث ان هذا الارتفاع الرقمي لا يعني ابتعاد المكتبة عن دورها الثقافي، بل يعكس نجاحها في التحول إلى مركز خدمة مجتمعي شامل. فالمكتبة لم تعد وجهة للقراءة فقط، بل مكانًا يوفر أجهزة كمبيوتر، وخدمات طباعة، ومشاهدة مواد سمعية وبصرية، فضلًا عن مساحات عمل هادئة يحتاجها الطلاب والباحثون والعاطلون عن العمل.
الأرقام تشير أيضًا إلى تغيّر طبيعة المستخدم، فشهادات بعض روّاد المكتبة تؤكد أنهم يلجأون إليها كبديل اقتصادي في ظل ارتفاع تكلفة الاشتراكات الرقمية، فبدل دفع اشتراكات شهرية لخدمات البث، يجد المستخدم محتوى مجانيًا داخل المكتبة، من أفلام ومواد تعليمية وكتب رقمية، ما يفسّر جزئيًا زيادة أعداد الزائرين.
من جهة أخرى، لعب تنويع الخدمات الإبداعية دورًا حاسمًا في جذب فئات جديدة، خاصة الشباب، فبعض فروع المكتبات وفّرت معدات تصوير وأدوات تصنيع رقمي وأجهزة قطع بالليزر، ما حوّل المكتبة إلى مساحة إنتاج معرفي، لا مجرد استهلاك ثقافي. هذا التحول انعكس مباشرة على مؤشرات الزيارة والاستخدام.
ولا تقل أهمية الوظيفة الاجتماعية للمكتبة، والتي تؤكدها الأرقام أيضًا. فالزيادة الكبيرة في استخدام الإنترنت داخل المكتبات تعكس اعتماد فئات واسعة من المجتمع عليها في البحث عن فرص عمل، وكتابة السير الذاتية، والتواصل الإلكتروني، وهي وظائف تتجاوز الدور التقليدي للمكتبة لكنها تظل في صميم رسالتها الإنسانية.
إن نمو زيارات المكتبات لم يعد مسألة انطباع، بل حقيقة مدعومة بالأرقام. وحين تتجاوز الزيادة حاجز المائة بالمائة في بعض مؤشرات الاستخدام، يصبح من الواضح أن المكتبة لم تتراجع، بل أعادت تموضعها بذكاء داخل المجتمع الرقمي.
الدرس الأهم هنا أن المكتبة التي تستثمر في الإنسان قبل الكتاب، وفي الخدمة قبل الشكل، قادرة على البقاء والتأثير، فالمكتبة لم تنتصر على التكنولوجيا، لكنها استخدمتها لتثبت أن المعرفة لا تزال بحاجة إلى مكان… وهذا المكان اسمه المكتبة.
Tags:
أضواء