الإنسان العارى .. حين يتحول العالم الرقمى إلى دكتاتورية بلا سجون

| عالم المكتبات | أضواء |

بقلم: نادر حبيب

منذ صدوره بالفرنسية عام 2016، ثم انتقاله إلى العربية عام 2020 بترجمة سعيد بنكراد عن المركز الثقافي للكتاب، يفرض كتاب «الإنسان العاري: الدكتاتورية الخفيّة للرقمية» لمارك دوغان وكريستوف لابي نفسه بوصفه واحدًا من أكثر الكتب جرأة في مساءلة علاقتنا المعاصرة بالتكنولوجيا، فالكتاب لا يتعامل مع الرقمنة كأداة محايدة، ولا يكتب عن الإنترنت بوصفه منجزًا تقنيًا خالصًا، بل ينظر إليه كمنظومة سلطة جديدة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتعيد تعريف مفاهيم الحرية والخصوصية والاختيار.

ينطلق المؤلفان من مفارقة أساسية، نحن نعيش العصر الأكثر اتصالًا في تاريخ البشرية، لكن هذا الاتصال الكثيف لم يؤدِّ بالضرورة إلى مزيد من التحرر، بل إلى شكل جديد من الخضوع الهادئ، فالإنترنت الذي قُدِّم باعتباره فضاءً مفتوحًا للمعرفة والتواصل، يتحول تدريجيًا إلى شبكة مراقبة شاملة، ناعمة، غير مرئية، لكنها شديدة الفاعلية، في هذا العالم، لا يُراقَب الإنسان بالقوة، بل يُستدرَج طوعًا، ولا تُصادَر حريته بالعنف، بل يُقايضها بالراحة، والسرعة، والخدمات المجانية.


يرى الكتاب أن الإنسان المعاصر أصبح «عارياً» أمام الخوارزميات، مكشوفًا أمام شركات عابرة للقارات تعرف عنه ما يفوق معرفته بذاته، كل بحث، وكل إعجاب، وكل صورة، يتحول إلى أثر رقمي يُستخدم في بناء ملف نفسي وسلوكي بالغ الدقة، يجعل الفرد قابلًا للتنبؤ والتوجيه وربما التلاعب، هنا لا يعود الإنسان سيد بياناته، بل مادة خام في اقتصاد عالمي جديد، تكون فيه البيانات هي المورد الاستراتيجي الأهم.

ولا يتوقف التحليل عند حدود الشركات الرقمية الكبرى، بل يتجاوزها إلى التحالف غير المعلن بينها وبين أجهزة الاستخبارات، خاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حين جرى تبرير المراقبة الشاملة باسم الأمن القومي. ومع توسع تقنيات «البيغ داتا» وإنترنت الأشياء، لم تعد الخصوصية استثناءً، بل أصبحت شبه معدومة، وصار كل تفصيل في الحياة اليومية قابلًا للرصد والتسجيل والتحليل.

الخطر، كما يقدمه دوغان ولابي، لا يكمن في التجسس وحده، بل في السيطرة الناعمة على السلوك.، فأنظمة التوصية لا تخبرنا فقط بما نحب، بل تُسهم في تشكيل ما نحب. والخوارزميات لا تكتفي بعكس اختياراتنا، بل تعيد توجيهها داخل دوائر مغلقة تجعل الإنسان يظن أنه يختار بحرية، بينما هو يتحرك داخل مسار مُعدّ سلفًا. إنها دكتاتورية بلا سجون، لأن المواطن نفسه يتكيف معها، بل يدافع عنها أحيانًا.

يستحضر الكتاب، في هذا السياق، عالم جورج أورويل، لا ليقول إن كوابيس «1984» تحققت حرفيًا، بل ليشير إلى أننا نعيش ما هو أخطر، مراقبة أكثر شمولًا، لكنها مغطاة بالمتعة، واللعب، والتسلية، فالطغيان الرقمي لا يفرض نفسه عبر الخوف، بل عبر الاعتياد، ولا يقمع التفكير بالقوة، بل يضعفه تدريجيًا عبر الإغراق في المعلومات السطحية والإجابات الفورية.

من هنا، يصبح السؤال الذي يطرحه الكتاب سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد: هل ما نعيشه تقدم تقني حقيقي، أم ولادة شكل جديد من الاستبداد الهادئ؟ وأي مستقبل ينتظر الإنسان حين تصبح الخوارزمية أذكى من الضمير، والبيانات أثمن من الكرامة، والتنبؤ بالسلوك بديلًا عن الحرية؟

تكمن أهمية «الإنسان العاري» في أنه لا يقدّم حلولًا سهلة، ولا يطرح خطابًا عدائيًا ضد التكنولوجيا، بل يطالب بوعي نقدي يعيد التوازن إلى العلاقة بين الإنسان والعالم الرقمي. إنه كتاب يذكّرنا بأن المعركة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين ليست حول امتلاك الأدوات، بل حول من يمتلك المعنى، ومن يحدد ما نراه، وما نفكر فيه، وما نعتبره خيارًا حرًا.

لهذا السبب، يبدو الكتاب شديد الصلة بعالم المكتبات والمعرفة، حيث تصبح المكتبة، بوصفها فضاءً للتأمل والبطء والاختلاف، أحد آخر معاقل المقاومة الثقافية في زمن السرعة والتنبؤ الخوارزمي. «الإنسان العاري» ليس كتابًا يُقرأ للمتعة، بل لليقظة؛ كتاب يربك القارئ، ويقلقه، ويدفعه إلى إعادة النظر في علاقته بهاتفه، وحسابه الشخصي، والعالم الرقمي الذي يحيط به من كل جانب، قبل أن يجد نفسه عاريًا تمامًا… دون أن يشعر.

إرسال تعليق

أحدث أقدم