| عالم المكتبات | بروفايل |

لم تأتِ ميهوكو هوسوي إلى عالم المكتبات من بوابته التقليدية، بل وصلت إليه محمّلة بخبرة إنسانية طويلة في فن الإصغاء والترحيب بالآخرين، اكتسبتها من العمل في قطاعي الفنادق والطيران في اليابان، خبرة ستتحول لاحقًا إلى حجر الأساس في مسيرتها المهنية التي امتدت لأكثر من عشرين عامًا في إدارة المكتبات الأكاديمية، وصولًا إلى توليها منصب أمينة المكتبة الجامعية بجامعة كاليفورنيا ريفرسايد في أكتوبر الماضي.
تنظر هوسوي إلى المكتبة بوصفها مؤسسة خدمية بالأساس، لا يقل فيها حسن الاستقبال والإنصات أهمية عن تنظيم المجموعات أو إدارة الميزانيات، فالمكتبة من وجهة نظرها مكان يشعر فيه الطالب والباحث بأنه مرحّب به، ومسموع، وقادر على الوصول إلى ما يحتاجه من معرفة دون رهبة أو أحكام مسبقة.
قبل انضمامها إلى جامعة كاليفورنيا، شغلت هوسوي مناصب قيادية في عدد من الجامعات الأمريكية الكبرى، كان أبرزها جامعة ولاية بنسلفانيا، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في التعليم العالي، وتولت مسؤولية المجموعات البحثية والاتصال العلمي، كما عملت سابقًا أمينة مكتبة متخصصة في مجال الأعمال بجامعتي ستانفورد وكورنيل، وأسهمت تلك التجارب في صقل مهاراتها التنظيمية والتفاوضية، ولم تكن تجربتها بعيدة عن منظومة جامعة كاليفورنيا، إذ عملت في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا، إضافة إلى دورها كنائبة مدير للترخيص على مستوى النظام في مكتبة كاليفورنيا الرقمية.
جذبتها جامعة كاليفورنيا ريفرسايد لما تحمله من سمعة أكاديمية مرتبطة بالحراك الاجتماعي، واحتضانها عددًا كبيرًا من طلاب الجيل الأول، وهو ما وجدت فيه انعكاسًا لتجربتها الشخصية، فهوسوي نفسها كانت أول من التحق بالجامعة في أسرتها، وتدرك جيدًا ما يعنيه دخول عالم التعليم العالي دون وجود خبرة عائلية سابقة ترشد الطريق. وهي تؤمن بأن للمكتبات وأمناءها دورًا محوريًا في دعم هؤلاء الطلاب، ليس فقط عبر توفير المصادر، بل من خلال خلق مساحة آمنة ومحايدة تساعدهم على فهم النظام الأكاديمي والتعامل معه بثقة.
منذ أيامها الأولى في المنصب، حرصت هوسوي على عقد لقاءات مع قيادات الجامعة، واضعة في مقدمة أولوياتها تعزيز التواصل مع الكليات والأقسام المختلفة، وإعادة تعريف دور المكتبة كشريك أكاديمي فاعل في التعليم والبحث العلمي، وهي تصف نفسها بأنها «راوية قصص»، ترى أن على المكتبة أن تحكي قصتها للمجتمع الجامعي، وأن تكون أكثر حضورًا ووضوحًا في المشهد الأكاديمي والثقافي.
رحلة هوسوي إلى هذا الموقع القيادي لم تكن سهلة، فقد نشأت في مدينة سايتاما اليابانية، في أسرة تقليدية شجعتها على تعلّم الفنون الكلاسيكية مثل إعداد الشاي والخط وتنسيق الزهور. ورغم أن والدها كان يعمل في مجال الاتصالات ووالدتها مغنية تعشق إلفيس بريسلي، فإن التوقعات التعليمية منها كانت محدودة، ما جعل رغبتها في الالتحاق بالجامعة أمرًا مفاجئًا لأسرتها.
التحقت بكلية مجتمع محلية، لكنها سرعان ما تركتها، لتعمل مترجمة للسياح، ثم انتقلت إلى العمل في الخطوط الجوية، قبل أن تقودها الصدفة إلى عالم الضيافة الفندقية، حيث عملت في فندق شيراتون بطوكيو باي، واستقبلت شخصيات عالمية بارزة، غير أن هذا النجاح لم يمنعها من العودة مجددًا إلى مقاعد الدراسة، فحصلت على شهادة في اللغة الإسبانية من جامعة سايسن بطوكيو، ثم درجة الماجستير من جامعة كورنيل في إدارة الضيافة.
بعد هجرتها إلى الولايات المتحدة وزواجها واستقرارها في مدينة دورهام، جاءت لحظة التحول الحاسمة في حياتها المهنية من خلال حديث عابر مع أمين مكتبة في جامعة ديوك، فتح أمامها باب العمل في المكتبات الأكاديمية، حيث التحقت بمكتبة ديوك كأخصائية خدمات فنية، بالتوازي مع دراستها لعلوم المكتبات في جامعة نورث كارولاينا - تشابل هيل، لتبدأ رحلة جديدة وجدت فيها ذاتها ورسالتها.
ترى هوسوي أن تجربتها كمهاجرة وامرأة آسيوية منحتها منظورًا مختلفًا داخل مهنة لا تزال تعاني من ضعف التنوع، وتؤكد أن جوهر العمل المكتبي يتمثل في دعم العدالة التعليمية، وتقديم المعرفة للجميع دون تمييز.
بالنسبة لها، المكتبة ليست مكانًا للحكم أو التقييم، بل فضاء إنساني مفتوح، يقف فيه أمين المكتبة إلى جانب كل من يبحث عن المعرفة، في هدوء واحترام وأمان.
Tags:
بروفايل
