"توت توت".. أول مهرجان لكتب الأطفال في مصر يحتفل بالخيال والحواديت


منذ زمن بعيد، كانت الحواديت جزءًا لا يتجزأ من طفولتنا، وقد اختلطت ذكرياتنا بالحكايات المسلية والتعليمية على حد سواء. ومع تغير الأجيال وطرق وصولها للأطفال، يظل سحر الحواديت وبهجتها ثابتًا، قادراً على إلهام الأطفال وتشجيعهم على القراءة. هذا الإحساس تحديدًا هو ما يسعى مهرجان "توت توت"، أول مهرجان مخصص لكتب الأطفال في مصر، لإعادته للأطفال في نسخته الأولى، التي تقام من 3 إلى 7 ديسمبر في المقر الرئيسي للمعهد الفرنسي في المنيرة، تحت شعار "الحواديت أحلام".

بدأت فكرة المهرجان عندما اكتشفت دار مرح للنشر ودار نشر تنمية، بالتعاون مع مبادرة حادي بادي، أن لديهم حلمًا مشتركًا يتمثل في خلق مساحة مخصصة للأطفال، ليست مجرد معرض كتب تقليدي، بل مهرجان كامل يتيح للأطفال تجربة القراءة والخيال والتفاعل مع عوالم جديدة. الفكرة تطورت بسرعة لتصبح منصة تضم مسارًا مهنيًا لصانعي كتب الأطفال من كُتاب ورسامين وحكّايين، إلى جانب الفعاليات المفتوحة للأطفال الذين يزورون المهرجان.

على مدار خمسة أيام، يقدم مهرجان "توت توت" معرضًا للكتب يشارك فيه 15 دار نشر مصرية و10 دور نشر عربية، تعرض كتبًا مناسبة لمختلف الأعمار ومواضيع متنوعة، تتراوح بين الحكايات التقليدية، الكتب التعليمية، الروايات المصورة، والقصص التي تنمي مهارات التفكير والإبداع لدى الأطفال. إلى جانب ذلك، يقدم المهرجان مجموعة كبيرة من الأنشطة التفاعلية، مثل جلسات الحكي، ورش إعادة التدوير، الأوريجامي، عروض خيال الظل، وأنشطة فنية متعددة. كما يشمل المهرجان ورش عمل متخصصة لصانعي كتب الأطفال، بالإضافة إلى ورشة لليافعين الموهوبين في الكتابة، مما يمنحهم فرصة لصقل مهاراتهم وإبراز مواهبهم.

صورة من موقع فصلة

وتستند الفكرة الرئيسة للمهرجان إلى قاعدة ذهبية: "إذا أردت تعليم الطفل شيئًا، احك له قصة". هذه الحكايات التقليدية، من مغامرات جحا وأبو زيد الهلالي، وصولًا إلى شخصيات معاصرة مثل أدهم صبري في سلسلة "الرجل المستحيل" وميكي ماوس في "لغز ميكي"، تساعد الأطفال على التمييز بين الخير والشر، وتمنحهم أبطالًا يُحتذى بهم، وتزرع فيهم قيمًا ومبادئ أساسية بطريقة ممتعة وجذابة.

في زمن يهيمن فيه الموبايل والشاشات على حياة الأطفال، يظل السؤال مطروحًا: هل ما زال الأطفال مهتمين بالقراءة؟ يوضح خالد عبد الحميد، شريك مؤسس في دار نشر مرح:

"الأطفال الذين يحبون الكتب يسألون عنها، وهناك أهالي يحاولون تشجيع أبنائهم على القراءة، وهذا طبيعي. دورنا كناشرين ومهتمين بأدب الطفل هو توفير الكتب الجذابة التي تحمل قيمة، ولا نعتبر أنفسنا منافسين للشاشات، بل نضيف تجربة ممتعة خارجها."

ويضيف عبد الحميد أن الكتب تقدم للأطفال تجربة مختلفة تمامًا عن المعلومة السريعة التي توفرها الشاشات:

"الموبايل يعطيك معلومة دقيقة الآن، لكن الكتاب يفتح لك عالمًا واسعًا من المعرفة التي قد لا تعرف أنك بحاجة إليها، ويمنحك فرصة الاستكشاف والتأمل، والبحث عن التفاصيل بنفسك."

لتجعل التجربة متاحة للجميع، يقدم مهرجان "توت توت" دعوات صباحية للمدارس، ومؤسسات المجتمع المدني مثل مؤسسة "أن أكون" في منشية ناصر، ومؤسسة "ألوان وأوتار" في المقطم، لضمان مشاركة الأطفال الذين قد لا تتاح لهم الفرصة للحضور بأنفسهم. هذه المبادرة تؤكد على أهمية جعل الثقافة وكتب الأطفال في متناول كل طفل، سواء كان من العاصمة أو من المناطق المحرومة من الوصول إلى هذه التجارب.

الحواديت لا تتوقف عند سن معين، بل تظل جزءًا من تجربة الإنسان مدى الحياة، تعلمه استيعاب المواقف والتفكير قبل أن يواجهها في الواقع. كما يؤكد عبد الحميد:

"الحواديت الجذابة تظل راسخة في عقل الطفل، لتظهر له وقت الحاجة، حتى لو لم يستفد منها مباشرة عند سماعها. الأثر طويل المدى، وهذا هو الهدف الأساسي من المهرجان."

كما يسعى مهرجان "توت توت" إلى تعزيز العلاقة بين الأطفال والكتاب، من خلال تقديم أنشطة ممتعة وتفاعلية تترك أثرًا طويل الأمد، وليس مجرد ترفيه مؤقت. فالقراءة، كما يظهر من المبادرة، ليست منافسًا للشاشات، بل خيارًا إضافيًا يغذي الخيال، ويشكل أداة تعليمية لا غنى عنها.

وتهدف النسخة الحالية من المهرجان أيضًا إلى توسيع نطاقه مستقبليًا ليشمل محافظات أخرى خارج القاهرة، لتصل الكتب والأنشطة إلى أكبر عدد من الأطفال. كما يخطط القائمون على المهرجان لإضافة حكايات جديدة ومبتكرة في النسخ القادمة، لتظل الحواديت حية وملهمة لكل طفل يشارك في التجربة، بحيث تصبح ذكريات لا تُنسى، ومصدرًا للمعرفة والخيال المتجدد على مدار العام.

مهرجان "توت توت"، إذن، ليس مجرد حدث ثقافي مؤقت، بل مساحة متكاملة تعيد للأطفال سحر الحواديت وتبني جسرًا بين القراءة، الخيال، والتعليم، في تجربة مليئة بالمرح والمعرفة، تضمن للأطفال فرصة لاكتشاف عالم جديد من الأدب والقصص والأنشطة التفاعلية، بعيدًا عن قيود الشاشات، لتظل الكتب جزءًا حقيقيًا من حياتهم اليومية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم