القصة الكاملة لخناقة "شارع الألفي": كيف تسببت شركة بلجيكية في أزمة مرورية في قلب القاهرة؟


اسم فخم لزقاق بائس في وسط القاهرة الساحرة، وتحديداً في ثلاثينيات القرن الماضي، لم تكن الشوارع مجرد ممرات للمشاة والسيارات، بل كانت مرآة تعكس وجه العاصمة الحضاري. لكن شارعاً واحداً يحمل اسماً رناناً وهو "الألفي بك"، يتحول فجأة إلى مادة لصحافة الرأي والتحقيقات، بعدما تحول من شريان حيوي يربط بين شارعي "عماد الدين" و"سليمان باشا" إلى مجرد زقاق ممتلئ بالحفر والشقوق، يثير غضب الأهالي ويزعج زوار الفنادق الفخمة المجاورة.

في ذلك الخبر الذى نشر في المجلة المصرية الصادرة عن دار الهلال باللغة الفرنسية والمعروفة بأسم Images كتب المحرر:

لم يكن الأمر ليدعو للغرابة أو الانزعاج لو كان شارع الألفي بك يقع في حي مهجور أو بعيد عن حركة المرور؛ لكنه يقع في قلب العاصمة تماماً، على بعد دقيقة واحدة من الأوبرا الملكية، وعلى مسافة عشرة أمتار فقط من شارع فؤاد الأول، وينتهي مباشرة إلى شارع عماد الدين أولاً ثم شارع سليمان باشا ثانياً. وهذا يعني أن المواطن القاهري يضطر لسلوكه مرة، بل ومرات عدة يومياً، لقضاء أعماله وشؤونه.

إن الصورة التي نعيد نشرها هنا، والتي التقطها مصورنا الصحفي في حدود الساعة الحادية عشرة صباحاً، تُعبر بوضوح عن نفسها وتغني عن أي تعليق. ومع ذلك، نود أن نؤكد على التقصير غير المقبول الذي تبديه "الشركة البلجيكية" المالك لهذا الشارع؛ إذ لا يُعقل أن يوجد شارع بهذا القدر من المتهالك في أحد الشرايين الرئيسية لعاصمتنا. ونحن نتساءل، ومعنا كثيرون: ماذا ينتظر قسم التنظيم والطرق ليلزم الشركة البلجيكية بإصلاحه وترميمه في أقرب وقت ممكن؟

إن هذا الأمر يمس مصلحة القاهرة وسكانها مباشرة.

ونأمل أن نرى قريباً اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة هذا الوضع المؤسف بحق. فمن حق شارع الألفي بك أن يحظى بالاحترام لنفسه وللشوارع المجاورة له. وفي حالته الراهنة، يقف الشارع كبقعة سوداء سوداوية في حي حيوي يعج بالمارة، كما أن السائح الذي يقطن الفندق الفخم المطل عليه بإحدى بواباته الخلفية، لا بد أن يتكون لديه انطباع سيئ للغاية عن مصلحة التنظيم لدينا.

إن شارع الألفي بك، في أعيننا وفي أعين الزائر الأجنبي، يتحدى المظهر الحضاري؛ وهو تحدٍ لا يمكننا بحال من الأحوال أن نتجاهله.

تم تعدبل الصورة بالذكاء الصناعي

كشفت هذه التغطية الصحفية في ذلك الوقت عن مفارقة قانونية وتاريخية مثيرة؛ فالشارع لم يكن يخضع بشكل مباشر لإدارة "مصلحة التنظيم" (البلدية آنذاك)، بل كان يقع تحت مسؤولية الشركة البلجيكية العقارية، والمقصود بـ  بها شركة واحات هليوبوليس (شركة إمبان البلجيكية) أو الشركات التابعة الممتدة من التواجد الاستثماري البلجيكي في مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (مثل البارون إمبان ومؤسساته).

في تلك الحقبة، كانت الحكومة المصرية تمنح الشركات الاستثمارية الأجنبية امتيازات لتخطيط الأحياء وتقسيم الأراضي. وبموجب هذا الامتياز، لم تكن الشركة تملك الأرض بمعنى السيطرة الخاصة، بل كانت ملتزمة قانوناً بتجهيز البنية التحتية، ورصف الطرق، وإمدادها بالمرافق قبل تسليمها نهائياً للدولة. وأمام هذا التقاعس من الشركة البلجيكية عن صيانة الشارع، اشتعلت الانتقادات الصحفية للضغط على المصلحة الحكومية للتدخل وإجبار الشركة على صيانة الشارع الذي تشبه القيادة فيه "كألعاب الملاهي".

وبين هيبة العاصمة وواجب الصيانة لم تكن أزمة شارع الألفي مجرد شكوى من حفرة في الطريق، بل كانت معركة حول هيبة القاهرة أمام زوارها واختباراً لمدى قدرة الإدارة المحلية على فرض سلطانها على الشركات الأجنبية ذات الامتيازات. لتظل تلك الصفحة الأرشيفية شاهدة على مرحلة تحول فيها رصف شارع في وسط البلد إلى قشعة كشفت تعقيدات الامتيازات الأجنبية في مصر الملكية.


إرسال تعليق

أحدث أقدم